كتبت صحيفة "الماضي":
"من المواضيع التي تظهر بانتظام في الخطاب السياسي وفي قلب المناقشات العامة هو مسألة ما إذا كانت المعارضة ستتولى الولاية البرلمانية أم لا. وفي الوقت نفسه، يستمر الموضوع حتى في حالة الإعلان عنه بشكل جدلي لمواصلة النضال في البرلمان أيضا.
كثيرا ما يتم تقديم مسألة الولايات باعتبارها خيارا مبدئيا أو مظهرا من مظاهر أزمة سياسية خطيرة، ولكن التحليل المتعمق يظهر أن كل هذه الضجة حول الولايات هي أجندة زائفة تماما. إن معضلة أخذ التفويض أو عدمه هي مصطنعة ولا تعبر عن المحتوى الحقيقي للعمليات السياسية، لأنه في الدول البرلمانية أو أنظمة الديمقراطية التمثيلية، التفويض ليس هبة أو موضوع اختيار شخصي، بل هو تفويض قانوني وسياسي يمنحه الناخبون، وله وظائف واضحة.
عندما تركز المناقشات على ما إذا كان ينبغي لقوى المعارضة دخول المجلس التشريعي أو مقاطعته، يتم تحويل انتباه الرأي العام عن المحتوى السياسي الفعلي والقضايا المؤسسية.
إن الولاية هي مجرد أداة، وهي وضع قانوني يضمن الاستفادة من الأصوات العامة في نظام الإدارة العامة. إن رفضها أو استخدامها كورقة مساومة لا يغير بأي حال من الأحوال الثقل الحقيقي للقوى السياسية أو طبيعة التحديات التي تواجه البلاد. بل على العكس من ذلك، فإن توليد مثل هذه المواضيع المصطنعة يخلق وهم النشاط السياسي، حيث يتم استبدال الخطوات الاستراتيجية الحقيقية بقضايا إجرائية رسمية.
إن التجارب الدولية والتاريخ السياسي لمختلف البلدان توثق بوضوح أن أساليب رفض الولايات البرلمانية أو عدم الحصول عليها لم تؤد قط إلى تغييرات منهجية أو حل فعال للأزمات السياسية. على سبيل المثال، أعلنت قوى المعارضة في جورجيا مرارا وتكرارا أنها لن تعترف بنتائج الانتخابات وتقاطع الولايات، في محاولة للهجوم على شرعية الحكومة. لكن الزمن أثبت أن مثل هذه الخطوات لا تؤدي إلا إلى تهميش المعارضة وحرمانها من منصة رسمية وموارد مالية وتنظيمية، في حين تواصل الأغلبية الحاكمة نشاطها التشريعي دون أي عوائق تذكر. وفي نهاية المطاف، تضطر قوى المعارضة إلى العودة إلى البرلمان، وهو ما يثبت مرة أخرى عدم جدوى تلك الأجندة.
وبوسعنا أن نرى صورة مماثلة في تاريخ أوروبا الشرقية ودول البلقان، حيث لم تحقق مقاطعة المعارضة للعمليات البرلمانية ورفض الولايات التأثير المتوقع. ومن وجهة نظر مؤسسية، فإن جهاز الدولة والمجتمع الدولي يسترشد دائمًا بالإجراءات القانونية. فإذا أجريت الانتخابات وسجلت نتائجها، فإن الحضور الفعلي للمنتدبين أو رفضهم لا يلغي الحقائق السياسية الراسخة. ولذلك فإن الحديث عن أن أخذ الولاية هو تعاون مع الحكومة، وعدم أخذها هو صراع جذري، يعني تبسيط السياسة وتقليصها إلى مستوى التصورات اليومية.
وفي البلدان ذات التقاليد الديمقراطية المتقدمة، مثل بريطانيا العظمى أو الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، تكون المناقشات المماثلة حول التفويض غائبة عموماً، وذلك لأن الثقافة السياسية لا تسمح بجعل التصويت الذي يدلي به الناخب موضوعاً للتكهنات. وحتى في أشد الخلافات والأزمات السياسية حدة، تدرك الأحزاب أن التمثيل البرلماني واجب، وليس امتيازًا يمكن التنازل عنه مقابل منفعة سياسية. فالتفويض هو الأداة القانونية للنضال السياسي، والتنازل عنه يعني الخروج طوعاً من ساحة المعركة، وهو أمر غير مقبول بالنسبة للوحدات السياسية الجادة.
ومن ثم، يتم الاحتفاظ بموضوع الولايات بشكل مصطنع في مجال المعلومات لإخفاء عدم وجود جداول أعمال حقيقية ومناقشات موضوعية. وعلى المستوى التحليلي الجاد، لا يمكن اعتبار مسألة قبول الولاية أو عدم قبولها عاملاً سياسياً أو خياراً استراتيجياً. إنه مجرد واقع تقني وإجرائي، والسجالات العامة حوله ليست فقط غير مثمرة، بل ضارة أيضا، لأنها تشوه دور وأهمية المؤسسات السياسية في تكوين الدولة.
المزيد من التفاصيل في عدد اليوم من الصحيفة








